رجل والسبع كواكب ح4

رجلُ والسَّبْعُ كَواكِب ح4

الأدب | علم الفلك والفقه | ستايل روايات الجيب

الأستاذ/ طارق العقيلي

* *

الفصل الأول: الشَّفَقُ يَكْذِبُ مَرَّتَيْنِ


عادَ طارِقٌ مِنَ الغيطِ وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ في صَمْتٍ. فَسَمِعَ المِكْبَرَ يَصْدَعُ: «اللهُ أكْبَرُ... حانَتْ صَلاةُ العِشاءِ».

رَفَعَ بَصَرَهُ. الشَّفَقُ الأَحْمَرُ ما زالَ مُشْتَعِلًا في الأُفُقِ الغَرْبِيِّ كَجَمْرَةٍ لَمْ تَبْرُدْ.

«يُضَيِّعونَ عَلَيْنا الوَقْتَ، ثُمَّ يُميلونَ عَلَيْنا الوِجْهَةَ. فَإِذا ضاعَ الوَقْتُ وَالوِجْهَةُ... ضاعَتِ الجَماعَةُ».

وَقَفَ في ساحَةِ المَسْجِدِ، أَخْرَجَ بُوصَلَتَهُ العَسْكَرِيَّةَ. وَقْتَ الزَّوالِ، وَقَفَ الظِّلُّ مائِلًا 3.2° شَمالَ العَمودِ عَلى الصُّفوفِ. المِحْرابُ يَنْظُرُ إِلى مَكانٍ غَيْرِ مَكَّةَ.


* *

الفصل الثاني: يَوْمُ جِبْرِيلَ الثّانِي


فَتَحَ طارِقُ دَفْتَرَهُ. في الصَّفْحَةِ المُقابِلَةِ لِحَديثِ جِبْرِيلَ كَتَبَ بِخَطٍّ ثَقيلٍ: «يَوْمُ جِبْرِيلَ الثّانِي هُوَ المُعْتَبَرُ».

«اليَوْمُ الأَوَّلُ تَعْليمٌ. وَاليَوْمُ الثّانِي تَثْبيتٌ. وَالفِقْهُ كُلُّهُ عَلى اليَوْمِ الثّانِي». فَإِذا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ الحَقَّ، فَانْظُرْ إِلى الآخِرِ لا إِلى الأَوَّلِ.

وَقَرَّرَ: سَأُعَلِّمُ القَرْيَةَ عَلى اليَوْمِ الثّانِي. عَلى الحَدِّ لا عَلى التَّوَسُّعِ.

* *

الفصل الثالث: مَواقيتُ الدُّخولِ وَالخُروجِ


جَمَعَ طارِقُ شَبابَ القَرْيَةِ حَوْلَ عَصًا مَغْروزَةٍ في الأَرْضِ.

«لِكُلِّ صَلاةٍ وَقْتُ دُخولٍ وَوَقْتُ خُروجٍ. وَمَنْ جَهِلَ الخُروجَ، ضَيَّعَ الدُّخولَ».

الظُّهْرُ: يَدْخُلُ بِزَوالِ الشَّمْسِ وبلوغ الظل المثل ، وَيَخْرُجُ إِذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيه.

العَصْرُ: يَدْخُلُ بِخُروجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَخْرُجُ بِاصْفِرارِ الشَّمْسِ.

المَغْرِبُ: يَدْخُلُ بِغُروبِ القُرْصِ كُلِّهِ، وَيَخْرُجُ بِغِيابِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ.

العِشاءُ: يَدْخُلُ بِغِيابِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ ودخول العتمة، وَيَخْرُجُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ. وَالأَفْضَلُ تَأْخيرُهُ إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ.

الفَجْرُ: يَدْخُلُ بِطُلوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ، وَيَخْرُجُ بِطُلوعِ الشَّمْسِ.

* * *

الفصل الرابع: هَنْدَسَةُ القِبْلَةِ


الخَطَأُ الَّذي لا يُرى

بعد ما صلّى طارق العشاء في مسجد القرية، وقف يتأمل المحراب.  

حاجة جواه مش مرتاحة.  
جاب بوصلة قديمة كان شايلها من أيام سيناء، ووقف عند المحراب وقت الزوال.  
الظل ما وقفش عمودي على صفوف المصلين.  
مال شمال شوية.
«الخطأ درجة... وبعد 100 كيلو يبقى انحراف بالكيلومترات»، قال لنفسه.
*عِلْمُ السَّمْتِ والقِبْلَةِ*
طارق ما اتكلمش على طول. رجع لدفتره القديم من دورة الاستخبارات النفسية في أمريكا.  
هناك اتعلّم إن أخطر حاجة في الحرب النفسية هي "تغيير المرجعية".  
لو غيّرت مرجعية الناس في الوقت، القبلة، التاريخ... كسرت انتماءهم من غير ما يحسوا.
فتح كتاب الفلك القديم. 
علم السمت والقبلة بسيط:  
1. *طريقة الظل*: يوم الاعتدال، الشمس عمودية على الكعبة وقت الظهر في مكة. الظل ساعتها في أي مكان بيشير عكس اتجاه القبلة.  
2. *طريقة النجوم*: جهة الجنوب في مصر معروفة بسهيل والجدي.  
3. *الحساب الرياضي*: باستخدام خط الطول والعرض.
قال:

 «القبلة مش رأي. القبلة آية كونية».

* تَعْليمُ القَرْيَةِ*
جمع طارق أهل القرية بعد العصر.  
غرز عصا في الأرض، ورسم دائرة.  
لما جه وقت الزوال، علمهم ازاي يحددوا خط الشمال-الجنوب من الظل.  
ومنها حددوا اتجاه القبلة الصحيح.
قال:«الرسول ﷺ قال: استقبلوا الكعبة حتى لا يخلف الله بين قلوبكم»، .  
«لو اختلفنا في القبلة، اختلفنا في كل حاجة بعدها».
الموضوع مكنش عن درجة شمال ولا جنوب.  
كان عن إن محدش يقدر يلعب في الأساس.
*المَعْرَكَةُ مَعَ التَّضْليلِ*
هنا بدأ يفهم ليه الموضوع ده اتساب.  
في الأزمات، أول حاجة بيضربوها هي "المرجعيات المشتركة".  
وقت، قبلة، تاريخ، لغة.  
لو كل قرية بقت بتصلي في اتجاه، وكل قرية بتفطر في وقت... اتكسرت الجماعة.
تذكّر كلام مدربه في المخابرات النفسية:  

«العميل اللئيم مش لازم يشيل سلاح. كفاية يخليك تشك في ساعتك وبوصلتك ومصحفك».

فهم إن معركته الجاية مش مع سلاح.  
معلومة كاذبة، جدول مزوّر، محراب منصوب غلط... دي أسلحة أخطر.

رَسَمَ طارِقُ دائِرَةً حَوْلَ العَصا، وَقاسَ ظِلَّ الزَّوالِ. خَطُّ الظِّلِّ هُوَ خَطُّ الشَّمالِ الحَقِيقيِّ، لا المِغْناطيسيِّ.
Q = arctan( sin(ΔL) / (cos(φ₁)tan(φ₂) - sin(φ₁)cos(ΔL)) )

حَيْثُ φ₁ = 28.08° عَرْضُ القَرْيَةِ، وَφ₂ = 21.42° عَرْضُ مَكَّةَ، وَΔL = 8.7° فَرْقُ الطّولِ.

«النّاتِجُ 119.5° مِنَ الشَّمالِ جِهَةَ الشَّرْقِ. هَذِهِ هِيَ القِبْلَةُ. لا تَقْريبَ فيها وَلا اجْتِهادَ».

قاسوا مِحْرابَ المَسْجِدِ الكَبيرِ. كانَ مائِلًا 3.2° شِمالَ الغَرْبِ. انْحِرافٌ صَغيرٌ في المَكانِ، يُصْبِحُ مِيلًا كَبيرًا في الآخِرَةِ.

* *

الفصل الخامس: أَمانَةُ المُؤَذِّنِ


قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، وَالإِمامُ ضامِنٌ».
«الأَمانَةُ أَنْ تُؤَذِّنَ عَلى آيَةٍ تَراها، لا عَلى ساعَةٍ لا تَرى. وَالضَّمانُ أَنْ تُقيمَ الصَّفَّ عَلى هَنْدَسَةٍ تَعْرِفُها، لا عَلى مِحْرابٍ وَرِثْتَهُ».

قالَ عَبْدُ الرَّحمنِ: «وَماذا لَوْ أَخْطَأْتُ؟»
قالَ طارِقُ: «مَنْ عَلِمَ وَقَصَّرَ، أَثِمَ. وَمَنْ جَهِلَ وَتَعَلَّمَ، أُجِرَ».

* *

الفصل السادس: الأَفْضَلِيَّةُ كَالأَسْفارِ


«الصَّلاةُ لَها أَوْقاتٌ، وَلَها أَفْضَلِيّاتٌ. كَما لِلأَسْفارِ مَنازِلُ».

أَفْضَلُ الظُّهْرِ التَّبْكيرُ في الحَرِّ، وَالتَّأْخيرُ في البَرْدِ.

أَفْضَلُ العَصْرِ التَّعْجيلُ قَبْلَ الاصْفِرارِ.

أَفْضَلُ المَغْرِبِ التَّعْجيلُ عَقِبَ الغُروبِ.

أَفْضَلُ العِشاءِ التَّأْخيرُ إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ.

أَفْضَلُ الفَجْرِ لِلأَسْفارِ.

* *

الفصل السابع: اصْطِفافُ القُلوبِ


عَمِلَ الشَّبابُ ثَلاثَةَ أَيّامٍ. عَدَّلوا مِحْرابَ المَسْجِدِ الكَبيرِ 3.2° جَنوبَ الشَّرْقِ.

في اللَّيْلَةِ الرّابِعَةِ، أَذَّنَ عَبْدُ الرَّحمنِ بَعْدَ غِيابِ الشَّفَقِ بِـ 21 دَقيقَةً. اصْطَفَّ النّاسُ، وَكانتِ الظِّلالُ كُلُّها مُتَوازِيَةً، كَأَنَّ الأَرْضَ نَفْسَها ساجِدَةٌ نَحْوَ مَكَّةَ.

قالَ عَمُّ حَسَنَ وَهُوَ يَمْسَحُ دَمْعَهُ: «اليَوْمَ فَقَطْ فَهِمْتُ مَعْنى قَوْلِهِ: سَوُّوا صُفوفَكُمْ».
* *

الفصل الثامن: كَوْكَبُ الوَقْتِ وَالقِبْلَةِ


«السَّبْعُ كَواكِبَ تَتَّسِعُ. سَماءٌ تُقْرَأُ، صَوْتٌ يُفْهَمُ، تُرْبَةٌ تُحْيى، ماءٌ يُنَقّى، وَقْتٌ يُضْبَطُ، قِبْلَةٌ تُصَحَّحُ».

«وَمَنْ عَرَفَ أَنْ يَقْرَأَ هَذِهِ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَسْرِقَ مِنْهُ دِينَهُ، وَلا جَماعَتَهُ، وَلا اتِّجاهَهُ، وَلا زَمانَهُ».

نَظَرَ إِلى السَّماءِ. كانَ الشَّفَقُ قَدْ غابَ تَمامًا. وَبَدَأَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَخيرُ.

«هُنا يَنْزِلُ رَبُّنا. فَهَلْ نَحْنُ جاهِزونَ لِلِقائِهِ بِوَقْتٍ صَحيحٍ وَوِجْهَةٍ صَحيحَةٍ؟»

النهاية

انتهت الحلقة الرابعة