رجلُ والسَّبْعُ كَواكِب ح3
الأدب | مغامرات عسكرية | ستايل روايات الجيب
الأستاذ/ طارق العقيلي
الفصل الأول: الرّيفُ الَّذي يَحْتَضِرُ
انْصَرَفَ طارِقٌ مِن ضَجِيجِ المَدينَةِ إِلى سُكونِ البَلَدِ. بَيْتُ العائِلَةِ، أَرْضُ الأَجْدادِ الَّتي هَجَرَها عامَيْنِ، وَرائِحَةُ التُّرابِ المَمْزوجَةِ بِالتِّبْنِ وَدُخانِ العودِ، رائِحَةٌ لا تُنْسى وَلا تُزَوَّرُ.
لَكِنَّ الرّيفَ لَمْ يَعُدْ ريفًا. المَحْصولُ ذابِلٌ كَوَجْهِ مَنْ هَجَرَهُ المَطَرُ، والصِّبْيَةُ مُقْعَدونَ عَنِ المَدْرَسَةِ، كَأنَّ الزَّمَنَ انْكَسَرَ عِنْدَ عَتَبَةِ المَدْرَسَةِ.
نَظَرَ طارِقٌ إِلى الحُقولِ فَرَأى صَمْتًا مَمْلوءًا بِالخَرابِ. فَأَدْرَكَ أَنَّ الحَرْبَ تَغَيَّرَتْ. لَيْسَتْ دَبّابَةً تُقْرَعُ، وَلا كَمينًا يُنْصَبُ. إِنَّها حَرْبُ اسْتِنْزافٍ صامِتَةٍ، تَأْكُلُ الحَياةَ مَضْغَةً مَضْغَةً.
الفصل الثاني: ذَخيرَةُ النِّسْيانِ
دَخَلَ الزَّريبَةَ القَديمَةَ، فَلَفَّهُ ظَلامٌ كَثيفٌ وَرائِحَةُ الجِلَّةِ وَتُرابُ السِّنينَ. وَتَحْتَ الخَيْشِ المُهْتَرِئِ، لَمَعَ مَعْدِنٌ مَأْلوفٌ.
سَيّارَتُهُ اللّادا البَيْضاءُ، الَّتي عَبَرَتْ بِهِ صَحارَى سيناءَ. مُغَطّاةٌ بِالغُبارِ، لَكِنَّ عِظامَها ما زالَتْ قائِمَةً.
فَتَحَ الكَبوتَ، فَإِذا بِأَرْبَعِ قِطَعِ إِنْذارٍ قَديمَةٍ. مَسَّها فَصَرَخَتْ بِصَوتٍ رَفيعٍ، تَرَدُّدُهُ يُمَزِّقُ طَبْلَةَ الأُذُنِ.
الفصل الثالث: هَنْدَسَةُ الصَّمْتِ المُقاوِمِ
جَلَسَ طارِقٌ في ضَوْءِ القِنْديلِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ أَسْلاكٌ، وَلاصِقٌ، وَقارورَةُ بَلاسْتِيكٍ فارِغَةٌ. صارَ المُحارِبُ مُهَنْدِسًا، وَساحَةُ القِتالِ غُرْفَةً لا تَتَجاوَزُ ثَلاثَةَ أَمْتارٍ.
«والخَمْسَةُ والعِشْرونَ كيلوهيرتْزَ تُحْدِثُ ارْتِجافًا في أُذُنِ الفَأْرِ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّ الأَرْضَ تَنْهارُ تَحْتَهُ.»
«والاثْنَيْ عَشَرَ كيلوهيرتْزَ تُثِيرُ القَلَقَ في غُدَدِ الكَلْبِ، فَيَنْسَحِبُ مِنْ مَسارِ البَشَرِ.»
قَسَّمَ القِطَعَ الأَرْبَعَ كَقائِدٍ يُوْزِّعُ كَتائِبَهُ: حارِسٌ عَلى بابِ المَدْرَسَةِ، حارِسانِ عَلى حُدودِ الغيطِ، حارِسٌ في المَخْزَنِ.
شَغَّلَ الأَجْهِزَةَ قَبْلَ الفَجْرِ بِدَقيقَةٍ. فَانْسَحَبَتِ الكِلابُ كَجَيْشٍ مُنْهَزِمٍ، وَخَفَّ البَعوضُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وَعادَ الصِّبْيَةُ إِلى الطَّريقِ يَمْشونَ لا يَلْتَفِتونَ خَلْفَهُمْ.
الفصل الرابع: طَبُّ التُّرْبَةِ المَيْتَةِ
أَقْبَلَ المُهَنْدِسُ الزِّراعِيُّ مِنَ الجَمْعِيَّةِ، وَفي عَيْنَيْهِ ظِلُّ يَأْسٍ.
تصنيع
وَمَا إِنْ خَرَجَ المُهَنْدِسُ، حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبيبُ وَالحَدّادُ، وَوُجوهُهُما مَليئَةٌ بِالهَمِّ.
قالَ الحَدّادُ: «وَأنا لا حَديدَ صالِحَ، وَلا قَوالبَ، وَلا مَنْفاخَ يَصْمُدُ. حَتّى المِسْمارُ صارَ عَزيزًا.»
صَمَتَ طارِقٌ هُنَيْهَةً، ثُمَّ ابْتَسَمَ ابْتِسامَةَ مَنْ رَأى البابَ في الحائِطِ.
قالَ الحَدّادُ مُسْتَغْرِبًا: «وَأيْنَ التَّنّورُ؟»
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلى الطَّبيبِ وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ القِطْعَةَ الأَخيرَةَ مِنْ جِهازِ الإِنْذارِ. كانَتْ صَغيرَةً، مَهْترِئَةً، لَكِنَّها ما زالَتْ تَئِنُّ.
ذَكَرَ طارِقٌ فَجْأَةً دَوْرَتَهُ في مَعْهَدِ الـ CBRN بِروسيا، عِنْدَما عَلَّموهُ كَيْفَ يَصْنَعُ البَدائِلَ لِلْمُعَدّاتِ العَسْكَرِيَّةِ داخِلَ أَرْضِ المَعْرَكَةِ بِما تَيَسَّرَ مِنَ الخُرْدَةِ.
وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ كانَ هُناكَ تَنّورُ طينٍ يَتَنَفَّسُ بِالنّارِ، وَقَوالبُ رَمْلٍ مَصْفوفَةٌ، وَحَوْضُ ماءٍ صَغيرٌ يَغْلي بِالمَوْجاتِ فَوْقَ الصَّوْتِيَّةِ. وَقَفَ الطَّبيبُ يَسْتَلِمُ مِشْرَطًا جَديدًا، وَالحَدّادُ يَمْسَحُ عَرَقَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلى ما صَنَعَتْ يَداهُ.
الفصل الخامس: الأَمانُ المُسْتَعادُ
وَقَفَ طارِقٌ عَلى أَوَّلِ الطَّريقِ مَعَ الفَجْرِ. الصِّبْيَةُ يَمْضونَ إِلى المَدْرَسَةِ، خِفافَ الخُطى. لا نُباحَ، لا صُراخَ، لا حَكًّا في الجُلودِ. المَحْصولُ انْتَصَبَ كَجُنْدٍ اسْتَرَدَّ مَعْنَوِيّاتِهِ.
الفصل السادس: كيمياءُ البَعْثِ
جَلَسَ طارِقٌ مَعَ عَمِّ حَسَنَ بِجِوارِ كَوْمِ النِّفاياتِ عَلى طَرَفِ الغيطِ. رائِحَةٌ نَتِنَةٌ، وَذُبابٌ يَدورُ كَسَرِيَّةٍ لا تَهْدَأُ.
«والزِّبالةُ دي بِنِحْرِقها، والتُّرابُ بيِطْلَع أسود ومفيهوش زرع.»
رَسَمَ عَلى التُّرابِ دائِرَةً، قَسَّمَها إِلى ثَلاثِ طَبَقاتٍ: خَضْراءُ، بَنِّيَّةٌ، سَمْراءُ. وَأَمَرَ بِإيقافِ الكيماوِيِّ شَهْرَيْنِ وَتَشْغيلِ مُوَلِّدِ الأَرْبَعينَ كيلوهيرتْزَ.
بَعْدَ عَشَرَةِ أَيّامٍ، ماتَتِ الرّائِحَةُ النَّتِنَةُ، وَوُلِدَتْ رائِحَةُ تُرابِ المَطَرِ. وَوَقَفَ الصِّبْيَةُ حَوْلَ الكَوْمَةِ يَنْظُرونَ إِلى البُخارِ يَصْعَدُ كَأَنَّ الأَرْضَ تَتَنَفَّسُ.
الفصل السابع: إِعْلانُ التَّحْريرِ
اجْتَمَعَتِ القَرْيَةُ كُلُّها في الحَوْشِ. العُمْدَةُ يَقْرَأُ الجَوابَ، وَالأَصْواتُ تَرْتَفِعُ كَمَوْجَةٍ واحِدَةٍ.
لَمْ يَكُنْ هُتافَ نَصْرٍ عَسْكَرِيٍّ. كانَ هُتافَ إِنْسانٍ اسْتَرَدَّ أَرْضَهُ.
النهاية
انتهت الحلقة الثالثة








