رجل والكواكب السبعة ح5
الأدب | مغامرات عسكرية | ستايل روايات الجيب
الأستاذ/ طارق العقيلي
ميزان السماء والأرض
الفصل الأول - رصد الضجيج
كانت السماعة على أذن طارق لا تنقل صوتاً، بل تنقل نبضاً. 17 هرتز. ثابتة كخفقة قلب مذعور. ليست رياحاً، ولا محركاً، ولا رعداً بعيداً. هو تردد الجسد حين يحشر ويستثار.
ركب دراجته القديمة. الجهاز على التنك، والإبرة ترتعش كل مائتي متر. المدينة الجديدة ساكنة. إنارتها صارمة، وقانونها واضح. لكن "الحارة القديمة" كانت تصرخ بصوت تحت السمع. صوت لا تسمعه الأذن، لكن تشعر به المعدة.
توقف أمام الباب الخشبي المتآكل. الباب الذي أغلق بمرسوم رسمي سنة 1920، ما زال يفتح كل ليلة بمرسوم عرفي غير مكتوب. الريحة واحدة لا تتغير: حشيش معتق، عرق قديم، مطهر رخيص يحاول أن يستر ما لا يستر.
الفصل الثاني - تذكر الجبرتي
وهو واقف، انفلت من ذاكرته سطر قديم. عبد الرحمن الجبرتي، في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، الجزء الثالث، يصف حال القاهرة وقت الحملة الفرنسية فيقول:
لم يقلها الرجل شهوة ولا فجوراً. قالها عسكرياً يحسب الخسارة. المدفع يكسر الحائط. لكن الفكرة تكسر التعريف. إذا سقط تعريف الحلال والحرام، سقط ما بعده بلا قتال.
طارق لم ينظر إلى الواقفين على الباب. رأى ما وراءهم: جيلاً كاملاً سحب تعريفه من تحت قدميه ببطء. الوجع لم يكن في الوجوه. الوجع كان في الصمت الذي سبقها.
الفصل الثالث - إحياء الجين القديم
في المعمل المؤقت فوق سطح المكتبة، فتح طارق ملف "الخوانيق". وباء ضرب البلاد سنة 1812، ثم انطفأ. لكن الجين لا ينطفئ. الفيروسات القديمة لا تموت. تتحول إلى أجزاء من حمضنا النووي، تسمى الـEndogenous Retroviruses. تنام قروناً، وتنتظر إشارة.
والإشارة كانت واضحة. ضغط مناعي مزمن، اختلال الميكروبيوم، إجهاد نفسي جماعي. ثلاثة مفاتيح تفتح القبو.
انهيار المناعة الجماعية = (تكرار الفعل المعلن × غياب الردع الاجتماعي) ÷ الذاكرة الأخلاقية المشتركة
ليس سحراً. هو علم. الممارسة التي تعلن وتعاد وتحمي بالفوضى، تغير بيئة الجسد. والجسد حين يتغير، يسمح لما كان نائماً أن يصحى.
رن الهاتف المشفر. صوت قديم من المركز قال: "طارق، هذا النمط ظهر في ثلاث مدن أخرى هذه السنة. ليست فوضى عشوائية."
سكت الخط ثانيتين، ثم جاء الجواب: "موافقون. لكن اعلم: المعركة اليوم ليست بالسلاح. المعركة على التعريف."
جيش داود ليس وحدة عسكرية. هو اسم رمزي للفريق الذي جمعه طارق سنة 2018. باحثون، مهندسون، أطباء من مصر والشام والعراق والمغرب. كل واحد منهم صديق رمزي لفكرة القومية العربية: الوحدة في مواجهة التفكيك.
الفصل الرابع - ميزان السماء
رجع طارق إلى الأصل. أخرج مخطوطة حديث الخصال الخمس، الذي قاله النبي ﷺ للمهاجرين والأنصار في عام الهجرة:
لم يكن الحديث وعيداً. كان وصفاً لآلية. قانون سببية أخلاقية يعمل سواء صدقته أو كذبته.
أغلق الدفتر. وقبل أن يطفئ المصباح، رن هاتفه الثاني. الرقم مخفي. لكن النفس على الطرف الآخر معروف.
صمت طارق. أدهم صبري. الظابط القديم الذي كان معه في فريق إدارة الأزمات سنة 2019. الآن في الجهاز المركزي.
ضحك أدهم ضحكة مقطوعة: "الحل؟ الحل أنك تكتبه الآن. الحديث الذي معك... هو بروتوكول التشغيل."
أغلق الخط.
جلس طارق. في يده حديث الخصال الخمس، وفي أذنه ما زال صدى 17 هرتز، وفي رأسه سؤال واحد:
"السؤال الآن ليس: من السبب؟
السؤال هو: من سيقيم الميزان قبل أن يقع على رؤوسنا جميعاً؟"
وأطفأ المصباح. وبقي الضجيج وحده، ينتظر الجواب.
انتهى الفصل التاسع
انتهى



