رجل والسبع كواكب ح5

رجل والكواكب السبعة ح5

الأدب | مغامرات عسكرية | ستايل روايات الجيب

الأستاذ/ طارق العقيلي

* *

 ميزان السماء والأرض

الفصل الأول - رصد الضجيج

كانت السماعة على أذن طارق لا تنقل صوتاً، بل تنقل نبضاً. 17 هرتز. ثابتة كخفقة قلب مذعور. ليست رياحاً، ولا محركاً، ولا رعداً بعيداً. هو تردد الجسد حين يحشر ويستثار.

ركب دراجته القديمة. الجهاز على التنك، والإبرة ترتعش كل مائتي متر. المدينة الجديدة ساكنة. إنارتها صارمة، وقانونها واضح. لكن "الحارة القديمة" كانت تصرخ بصوت تحت السمع. صوت لا تسمعه الأذن، لكن تشعر به المعدة.

توقف أمام الباب الخشبي المتآكل. الباب الذي أغلق بمرسوم رسمي سنة 1920، ما زال يفتح كل ليلة بمرسوم عرفي غير مكتوب. الريحة واحدة لا تتغير: حشيش معتق، عرق قديم، مطهر رخيص يحاول أن يستر ما لا يستر.

فتح دفتره وكتب بخط متعجل: "النظام لم يسقط. النظام ترك الفوضى تسقط على نفسها. ثم سمى ذلك إدارة أزمة."
* *

الفصل الثاني - تذكر الجبرتي

وهو واقف، انفلت من ذاكرته سطر قديم. عبد الرحمن الجبرتي، في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، الجزء الثالث، يصف حال القاهرة وقت الحملة الفرنسية فيقول:

"وكان من أسباب فساد الشباب واختلاط الأنساب ما فشا من بيوت الخنا المفتوحة، حتى صار الشاب لا يعرف له أباً ولا مروءة."
"مومس واحدة أخطر على شاب من ألف مدفع."

لم يقلها الرجل شهوة ولا فجوراً. قالها عسكرياً يحسب الخسارة. المدفع يكسر الحائط. لكن الفكرة تكسر التعريف. إذا سقط تعريف الحلال والحرام، سقط ما بعده بلا قتال.

طارق لم ينظر إلى الواقفين على الباب. رأى ما وراءهم: جيلاً كاملاً سحب تعريفه من تحت قدميه ببطء. الوجع لم يكن في الوجوه. الوجع كان في الصمت الذي سبقها.

همس لنفسه: "نحن لا نحارب بالرصاص فقط. نحن نحارب بتعطيل المعنى."
* *

الفصل الثالث - إحياء الجين القديم


في المعمل المؤقت فوق سطح المكتبة، فتح طارق ملف "الخوانيق". وباء ضرب البلاد سنة 1812، ثم انطفأ. لكن الجين لا ينطفئ. الفيروسات القديمة لا تموت. تتحول إلى أجزاء من حمضنا النووي، تسمى الـEndogenous Retroviruses. تنام قروناً، وتنتظر إشارة.

والإشارة كانت واضحة. ضغط مناعي مزمن، اختلال الميكروبيوم، إجهاد نفسي جماعي. ثلاثة مفاتيح تفتح القبو.

كتب على السبورة معادلة لا تحتمل الجدل:
انهيار المناعة الجماعية = (تكرار الفعل المعلن × غياب الردع الاجتماعي) ÷ الذاكرة الأخلاقية المشتركة

ليس سحراً. هو علم. الممارسة التي تعلن وتعاد وتحمي بالفوضى، تغير بيئة الجسد. والجسد حين يتغير، يسمح لما كان نائماً أن يصحى.

رن الهاتف المشفر. صوت قديم من المركز قال: "طارق، هذا النمط ظهر في ثلاث مدن أخرى هذه السنة. ليست فوضى عشوائية."

أجاب طارق وهو يغلق الملف: "أريد فريق التحليل القديم. جيش داود. الكتيبة الخارقة."

سكت الخط ثانيتين، ثم جاء الجواب: "موافقون. لكن اعلم: المعركة اليوم ليست بالسلاح. المعركة على التعريف."

جيش داود ليس وحدة عسكرية. هو اسم رمزي للفريق الذي جمعه طارق سنة 2018. باحثون، مهندسون، أطباء من مصر والشام والعراق والمغرب. كل واحد منهم صديق رمزي لفكرة القومية العربية: الوحدة في مواجهة التفكيك.

* *

الفصل الرابع - ميزان السماء


رجع طارق إلى الأصل. أخرج مخطوطة حديث الخصال الخمس، الذي قاله النبي ﷺ للمهاجرين والأنصار في عام الهجرة:

"يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن... لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا..."

لم يكن الحديث وعيداً. كان وصفاً لآلية. قانون سببية أخلاقية يعمل سواء صدقته أو كذبته.

أغلق الدفتر. وقبل أن يطفئ المصباح، رن هاتفه الثاني. الرقم مخفي. لكن النفس على الطرف الآخر معروف.

"طارق... أنا أدهم."

صمت طارق. أدهم صبري. الظابط القديم الذي كان معه في فريق إدارة الأزمات سنة 2019. الآن في الجهاز المركزي.

قال أدهم بصوت خافض، فيه تعب وحزم: "حقاً إنك على حق يا نقيب. نحن الآن في الجهاز نراجع رخص بيوتات الدعارة القديمة، والمخاوير، ومسالك تجارة الحشيش والآثار. كلها تلتقي في نقطة واحدة: ترك الفراغ."
توقف ثم أكمل: "نحن نحتاجك. نحتاجك للبحث في الأرشيف. ولو عندك شيء من علم الأنساب، تعال. الأنساب هنا ليست أسماء فقط. الأنساب هي خرائط الولاء. ومن مسك خريطة الولاء، مسك مفتاح الفوضى."
سكت طارق لحظة. ثم قال: "والحل؟"
ضحك أدهم ضحكة مقطوعة: "الحل؟ الحل أنك تكتبه الآن. الحديث الذي معك... هو بروتوكول التشغيل."

أغلق الخط.

جلس طارق. في يده حديث الخصال الخمس، وفي أذنه ما زال صدى 17 هرتز، وفي رأسه سؤال واحد:

"السؤال الآن ليس: من السبب؟
السؤال هو: من سيقيم الميزان قبل أن يقع على رؤوسنا جميعاً؟"

وأطفأ المصباح. وبقي الضجيج وحده، ينتظر الجواب.

* *

انتهى الفصل التاسع

انتهى

انت في أحدث موضوع